وبين موافق على أسلوب إحياء الذكرى وبين معارض وبين مادح للمناسبة ووسائلها وبين قادح لنماذج المناسبة ومجرياتها..
والحكمة تقتضي من كل ذي حكمة وإيمان أن ينظر في لبّ الموضوع المتنازع عليه وحوله وليس في أسلوب التعبير عنه..
فالميلاد النبوي حدث عالمي التاريخ والمناسبة.. بل ليس مربوطاً بربيع الأول بالذات وإنما هو مقترن بالقرآن ونزوله، وبالتوراة والإنجيل وبما قبلها من صحف إبراهيم إنه التاريخ الشرعي الأبوي ذاته..
أليس الميلاد النبوي ينم عن ذكريات شرعية مترافقة كلها تمثل النسيج التاريخي للديانة والتدين..؟
أليس احتفال المسلمين برييع الأول يشير الى بروز ناصية المصطفى المبشر به في التوارة والإنجيل وما سبقهما من الكتب والتنزيل..؟
إذاً فربيع الأول أيضا إعادة واعية لتاريخ ميلاد الدولة الإسلامية الأولى..
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان وصوله إلى المدينة المنورة في شهر ربيع الأول وكان أول ما عتنى به في هذه الفترة الربيعية الفضلى.
o ترسيخ قرار االاسلام في المدينة.
o بناء المسجد.
o المؤاخاة بين الأوس والخزرج.
o المؤاخاة بين المهاجر والأنصار.
وبهذه الإنطلاقة الشرعية اكسبت الأشهر العربية مناسباتها التاريخية من جديد لتظل في ذاكرة الشعوب أنموذجا علمياً وعملياً لإعادة صياغة التاريخ بصورته الإيجابية ووظيفته الأبوية..
ومع مطلع شهر ربيع تنفتح هذه الصفحات مرة بعد أخرى لتقرأ منها العقول والقلوب مشاعل المسيرة الإيمانية في رحلة التحولات والتغيرات المتلاحقة مستضيئة بالخلق النبوي والأدب المصطفوي الذي جعله الله منهجا وشرعة يقتدى بها..
إن الذين يغفلون هذه القراءة باعتبار أنها تاريخاً مضى وانقضى هم أولئك الذين يُستغلون برضى أو بغير رضا ليقرأون الواقع المعاصر بعيون وقلوب المستثمرين من أكلة القصعة المستعمرين مما يجعلهم بالضرورة أكثر ارتباطاً بهم وشراكة معهم من مصالحهم مع نسيان وتغافل عن تاريخ الأمجاد وشرف الديانة الإسلامية في الأباء والأجداد..
ومن لم يفرح بشرف الرسالة ومناسباتها لا بد أن يغرق في درك العمالة وظواهرها وكفى بمثل هذا بدلاً سيئاً وانتكاساً من كل الوجوه قال تعال: (بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا).
إن المرحلة المعاصرة مرحلة حساسة من كل الوجوه، وقد أطبق الشيطان فيها على كثير من العقول والقلوب حتى عميت عن معرفة الحق في زحام الباطل وركامه.
ولهذا فإن تنفسات الشهر الكريم وحسن مجاورته بما يحمله من لطيف المصافاة وعظيم الذكرى، باب واسع لكل ذي قلب سليم وعقل حكيم أن يعيد النظر ويتفهم العبر ويطل على أهل بيته وأسرته وأصدقائه بوجه ربيعي مزهر ومزدهر تنعكس عليه آثار فرحة العالم كله بميلاد النبي صلى الله عليه وسلم
أبان مولده عن طيب عنصره * ياطيب مبتدأٍ منه ومُختتَم
يوم تفرّس فيه الفُرس أنهُم * قد أُنذروا بحلول البؤس والنقم
وبات إيوان كِسرى وهو منصدع * كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف * عليه والنهر ساهي العين من سدم
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها * ورد واردها بالغيض حين ظمي
والجن تهتف والأنوار ساطعة * والحق يظهر من معنىً ومن كلم